السيد محمد بيرم الخامس التونسي

93

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

بالحرب لهم والاستيلاء عليهم ، بيد أن سياسة الروسيا عطلت ذلك . وعدد الأهالي مجهول الحقيقة وعلى التخمين أنهم نحو مليونين تحت ملك مسلم استبدادي مطلق من ذرّية أحمد شاه ، الذي أنشأ في أفغانستان وما والاها مملكة ذات شأن والأحكام الشخصية شرعية ولهم أيضا فيها حكام سياسية لكن النفوذ قليل ، لأن أغلب السكان قبائل رحالة فيهم حرية البداوة هم من أصل التركمان ، وكانت في المملكة مدن عظيمة في أودية بين الجبال التي على جنوبي صحراء خوارزم هدمت كلها بتخريب جنكس خان التتري ، وقاعدة المملكة مدينة هرات وهي مدينة عظيمة تسقى بنهر يتشعب في شوارعها ودورها ، ولها تجارة حسنة في نتائج أراضيها المخصبة مع الممالك المجاورة ، وفيها من النباتات كل نبات الأراضي المعتدلة لاعتدال هوائها وسلامته ، وكانت مناخا للعلوم ومنبتا للعلماء الأفاضل حتى قال ياقوت « 1 » في المشترك : « إن علماءها لا يحصي كثرتهم إلا اللّه » وهي الآن دون ذلك وإنما فيها من العلماء حسب الحال ، ولأهلها من الصنائع الجيدة السيوف وآلات القطع ، لأن تيمور لنك نقل إليها ماهري هاته الصناعة من دمشق فبقيت فيهم إلى الآن ولهم مهارة في صناعة البسط والأقمشة الحريرية ، ويقال في قوّتها الحربية والمالية ما قيل في أفغانستان على نسبة عدد سكانها . الفصل الرابع عشر المملكة الرابعة عشر هي إمارات التتر المستقلين هاته الإمارات موقعها غربي الصين وشرقي وجنوبي بعض الروسيا وشمالي وشرقي هرات وبعض إيران ، وجميع السكان مسلمون سنيون وحقيقة عددهم مجهول وإنما يقال على التقريب أنهم نحو سبعة أو ثمانية ملايين ، وقد كانت الممالك منقسمة إلى خمسة أقسام ، كل قسم مستقل تحت حاكم يلقب بالخان وهي : « خيوه ، وبخارى ، وتشقند ، وخوقند ، وقبائل التركمان الرحالة المعروفة بتيكي . وأما الآن فإن « خيوا » دخلت في حوزة الروسيا وصارت جزءا من ممالكها وإن أبقيت لها بعض امتيازات ظاهرية كإبقاء خانها ولقبه ، غير أنها في الواقع هي من مستملكاتها الداخلة في حكمها وتحت أمرها . وأما بخارى : فهي أيضا مثل خيوا غير أن امتيازاتها أكثر منها ، وعلى كل حال فكلاهما يصح أن يقال أنهما مستقلتان بالإدارة الداخلية تحت الأمر الروسي ، ويؤدّيان له الخراج السنوي ، ولهما عساكر بقدر ما تسمح لهما به الروسيا للتحفظ على الراحة في المملكة أو لإعانة الروسيا فيما تأمرهما به .

--> ( 1 ) هو ياقوت بن عبد اللّه الرومي الحموي أبو عبد اللّه شهاب الدين ( 574 - 626 ه ) مؤرخ جغرافي أديب لغوي . توفي في حلب . الأعلام 8 / 131 مرآة الجنان 4 / 59 وفيات الأعيان 2 / 210 .